الغزالي
96
إحياء علوم الدين
قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ سعدا لغيور وأنا أغير من سعد وإنّ الله أغير منّى » وإنما خلقت الغيرة لحفظ الأنساب . ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب . ولذلك قيل كل أمة وضعت الغيرة في رجالها ، وضعت الصيانة في نسائها . ومن ضعف الغضب الخور ، والسكوت عند مشاهدة المنكرات . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « خير أمّتى أحدّاؤها » يعنى في الدين . وقال تعالى * ( ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ الله ) * « 1 » بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه ، إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة ، حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة . ففقد الغضب مذموم ، وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين ، فينبعث حيث تجب الحمية ، وينطفئ حيث يحسن الحلم . وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده . وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال [ 3 ] « خير الأمور أوساطها » . فمن مال غضبه إلى الفتور ، حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله . فينبغي أن يعالج نفسه ، حتى يقوى غضبه . ومن مال غضبه إلى الإفراط ، حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش ، فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين ، فهو الصراط المستقيم ، وهو أرق من الشعرة ، وأحد من السيف . فإن عجز عنه ، فليطلب القرب منه قال تعالى * ( ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) * « 2 » فليس كل من عجز عن الإتيان بالخير كله ، ينبغي أن يأتي بالشر كله ولكن بعض الشر أهون من بعض ، وبعض الخير أرفع من بعض فهذه حقيقة الغضب ودرجاته ، نسأل الله حسن التوفيق لما يرضيه ، إنه على ما يشاء قدير
--> « 1 » النور : 2 « 2 » النساء : 129